صديق الحسيني القنوجي البخاري
430
فتح البيان في مقاصد القرآن
وأخرج الديلمي عن زيد بن أرقم مرفوعا يقول اللّه : إني تفضلت على عبادي بثلاث : ألقيت الدابة على الحبة ، ولولا ذلك لكنزها الملوك كما يكنزون الذهب والفضة ، وألقيت النتن على الجسد ولولا ذلك لم يدفن حبيب حبيبه واستلبت الحزن ولولا ذلك لذهب النسل . ذكر أهل التاريخ أن سليمان ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة ، وبقي في الملك مدة أربعين سنة وشرع في بناء بيت المقدس لأربع سنين مضين من ملكه وتوفي وهو ابن ثلاث وخمسين سنة وقيل : إن داود أسس بناء بيت المقدس في موضع فسطاط موسى فمات قبل أن يتمه فوصّى به إلى سليمان فأمر الشياطين بإتمامه فلما بقي من عمره سنة سأل ربه أن يعمّي عليهم موته حتى يفرغوا عنه ولتبطل دعواهم على الغيب ، روي أن افريدون جاء ليصعد كرسيه فلما دنا ضرب الأسدان ساقه فكسراها ، فلم يجسر أحد بعده أن يدنو منه . ولما ذكر سبحانه حال بعض الشاكرين لنعمه عقّبه بحال بعض الجاحدين لها ، والمقصود من ذكر هذه القصة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم يذكرها لقومه لعلهم يتعظون وينزجرون ويعتبرون بها فقال : [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 15 إلى 16 ] لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ( 15 ) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ( 16 ) لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ المراد بها القبيلة التي هي من أولاد سبأ هو سبأ بن يشجب بضم الجيم بن يعرب بن قحطان بن هود ، قرأ الجمهور : لِسَبَإٍ بالتنوين على أنه اسم حي أي الحي الذين هم أولاد سبأ وقرىء : لسبأ ممنوع الصرف بتأويل القبيلة ويقوي القراءة الأولى قوله : فِي مَسْكَنِهِمْ ولو كان على تأويل القبيلة لقال في مسكنها ، وقرأ الجمهور على الجمع واختار هذه القراءة أبو عبيد ، وأبو حاتم ، ووجه الاختيار أنها كانت لهم منازل كثيرة ومساكن متعددة ، وقرىء بالإفراد ووجه الافراد أنه مصدر يشمل القليل والكثير ، أو اسم مكان وأريد به معنى الجمع ، وهذه المساكن التي كانت لهم هي التي يقال لها الآن مأرب وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث ليال ، وكانت أخصب البلاد . وقد أخرج أحمد والبخاري والترمذي وحسنه والحاكم وصححه وغيرهم عن فروة بن مسيك المرادي قال : « أتيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقلت : يا رسول اللّه ألا أقاتل من أدبر من قومي بمن أقبل منهم ، فأذن لي في قتالهم ، وأمرني ، فلما خرجت من عنده أرسل في إثري فردني فقال : ادع القوم فمن أسلم منهم فاقبل منه ومن لم يسلم فلا تعجل